ابن تيمية
29
منهاج السنة النبوية
وَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَصْحَابِ أَحْمَدَ ، وَبَيْنَ أَصْحَابِ ( 1 ) مَالِكٍ ، وَبَيْنَ أَصْحَابِ ( 2 ) الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ . وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَيَقُولُونَ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الطَّوَائِفِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ ، وَفِي الْحَقِيقَةِ فَهَذَا النِّزَاعُ ( 3 ) يَرْجِعُ إِلَى الْمُلَاءَمَةِ وَالْمُنَافَرَةِ ( 4 ) ، وَالْمُنَفِّعَةِ وَالْمُضِرَّةِ ، فَإِنَّ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ مِمَّا يَضُرُّ الْعَبْدَ وَلَا يُلَائِمُهُ ، فَلَا يَخْرُجُ الْحُسْنُ ( 5 ) وَالْقُبْحُ عَنْ حُصُولِ الْمَحْبُوبِ وَالْمَكْرُوهِ ، فَالْحَسَنُ مَا حَصَّلَ الْمَحْبُوبَ الْمَطْلُوبَ الْمُرَادَ لِذَاتِهِ ( 6 ) ، وَالْقَبِيحُ مَا حَصَّلَ الْمَكْرُوهَ الْبَغِيضَ ، فَإِذَا كَانَ الْحَسَنُ يَرْجِعُ إِلَى الْمَحْبُوبِ ، وَالْقَبِيحُ يَرْجِعُ إِلَى الْمَكْرُوهِ ، بِمَنْزِلَةِ النَّافِعِ وَالضَّارِّ ، وَالطَّيِّبِ وَالْخَبِيثِ ، وَلِهَذَا يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ الْأَحْوَالِ ، فَكَمَا أَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ يَكُونُ نَافِعًا إِذَا صَادَفَ حَاجَةً ، وَيَكُونُ ضَارًّا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، كَذَلِكَ الْفِعْلُ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ يَكُونُ قَبِيحًا تَارَةً وَيَكُونُ حَسَنًا أُخْرَى . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهَذَا الْأَمْرُ لَا يَخْتَلِفُ ، سَوَاءً كَانَ الْعَبْدُ هُوَ الْفَاعِلُ ( 7 ) بِغَيْرِ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ لَهُ الْقُدْرَةَ وَالْإِرَادَةَ ، أَوْ بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ ، كَمَا فِي سَائِرِ مَا هُوَ نَافِعٌ وَضَارٌّ وَمَحْبُوبٌ وَمَكْرُوهٌ . وَقَدْ دَلَّتِ الدَّلَائِلَ الْيَقِينِيَّةَ عَلَى أَنَّ كُلَّ حَادِثٍ فَاللَّهُ خَالِقُهُ ، وَفِعْلُ الْعَبْدِ مِنْ جُمْلَةِ الْحَوَادِثِ ، وَكُلُّ مُمْكِنٍ يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ ، فَإِنْ شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ
--> ( 1 ) ب ، أ : وَأَصْحَابِ . ( 2 ) ب ، أ : وَأَصْحَابِ . ( 3 ) ن ، م ، ب ، أ : النَّوْعُ . ( 4 ) ب ، أ ، ع : وَالْمُنَافَاةِ . ( 5 ) ب ، أ : لِلْحُسْنِ . ( 6 ) ع ( فَقَطْ ) : الْمُرَادَ لَهُ . ( 7 ) ع ( فَقَطْ ) : سَوَاءً الْفَاعِلُ الْعَبْدُ .